|
|
|
|
|
|
لقاءات وحوارات |
كيف كانت اسرائيل تفكر وتخطط ضد مصر سنة 1955 |
| |
| |
|
| |
| |
| تاريخ اللقاء: |
2007-03-29 |
|
قام باحراء الحوار: |
محمد حسنين هيكل |
| |
موضوع هذه الحلقة فى غاية الدقة.. وهو يقتضى النظر إليه بحذر، هو موضوع تأثير صفقة السلاح فى إسرائيل... لكنى قبل أن أدخل فى الموضوع أريد أن أنبه إلى أننى مازلت أيضاً واقفاً أمام سنة 1955، وهى سنة مؤسسة للأوضاع السياسية والاستراتيجية فى المنطقة.. فى تكوينها وتوجهاتها وصراعاتها.. حتى هذه اللحظة. قد يبدو أمام بعض الناس.. مثل ما سمعته من سيدة رقيقة قالت لى: نريد أن نصل إلى 1967.. ونريد أن نعرف ما حدث فى 1973، لأننا فى 1967 فوجئنا بما لم نكن ننتظره... وفى 1973 فوجئنا بنتائج غير ما بدا لنا من مقدمات.. نريد أن نصل بسرعة..! قد اعتذر لهذه السيدة الكريمة.. ولغيرها.. أتصور أنه لابد من أن نقف طويلاً أمام اللحظات المؤسسة فى الإستراتيجيات وسياسات الأمن وفى أحوال الأمم... لأن هنا فى هذه اللحظة التى ولد فيها الحاضر والمستقبل. فى مرات تقلقنى هذه النظرة إلى الأمن القومى وإلى السياسة باستعمال منطق حسابات البنوك!.. بمعنى أن يقول الناس لبعضهم تعبير وهو تعبير لا أحبه: هات من الآخِر. هذا تعبير مناسب لحسابات البنوك.. لكن فى الإستراتيجية والصراع لا بد من هاتوا من الأول. فعند البدايات نجد بذور الصراعات.. وليست عند النهايات، عند النهايات هناك معارك.. لكنا هنا نريد أن نؤسس لما يستطيع أن يكون دليلاً لنا فى مراحل قادمة. أريد أن أؤكد هنا مع هذه الملاحظة أننى.. لست كاتباً للتاريخ لا أكتب سير.. أو طبقات، ولا أعد السنين.. واحدة بعد واحدة، لكنى أقف أمام العلامات التى أراها مؤثرة.. لذلك سنة 1955 تعنينى جداً. *** إسرائيل.. فى سنة 1955؛ هى موضوعى فى هذه الحلقة. لا أظن أن إسرائيل فوجئت ب صفقة السلاح، لكنها فوجئت بالدلالات التى تعنيها هذه الصفقة بالنسبة لها. إسرائيل كانت منتبهة إلى الوضع القائم.. أو هات من الآخِر!. فالعرب منهزمون فى 1948، وهم فى حالة سيئة بعدها... وهى ليس لديها ما تخشاه.. مع العلم أن لديها كثيراً مما يجب أن تخشاه!. أُذكر بأن إسرائيل دولة فريدة فى التاريخ.. فهى الدولة الوحيدة التى لم تنشأ طبيعياً على تربة أرض وطنية، هذا مشروع يكاد يكون صُنع بالكامل فى الخارج؛ بمعنى أن تأسيس فكرة الدولة منذ روتشيلد مع بالمرستون.. حتى هرتسل وبن جوريون ووايزمان.. إلى جانب وعد بلفور.. فإن هذا كله صُنع فى الخارج... فى لندن وباريس وفيينا وغيرها. الأفكار المؤسسة لصنع هذه الدولة صُنعت فى الخارج. الناس الذين جاءوا بعد ذلك لينشئوا مشروع الدولة كانوا من الخارج.. وأولهم بن جوريون وُلد فى بولندا، فايتسمان مولود فى روسيا... من نشاء من كل مؤسسى الدولة.. نشأوا ونمت أفكارهم بعيداً جداً عن التراب الوطنى.. عن التراب الذى جاءوا إليه وادعوا فيه الوطن، هذه عملية فريدة فى التاريخ.. ولابد أن نضعها فى حسابنا لأنها أثرت على كل شيء فيما يتعلق بهذا المشروع الذى نواجهه. هو مشروع تم التفكير فيه.. والترتيب له؛ ودُبرت وسائل إنشائه وإقامته وقوته.. خارج موقعه التاريخى. الأوطان عادة تنشأ فى بقعة من الأرض.. يقوم عليها شعب.. وهذا الشعب يبنى مرافقه ومواصلاته، يبنى ثقافته الوطنية.. وتجاربه، يبنى علومه، يبنى صلاته بالعالم.. لكن من موقع محدد، على تراب محدد.. فى منطقة له فيها جذور. حتى لو أخذت بالدعاوى الإسرائيلية.. وقلت إنه كانت هناك قبائل يهودية فى المنطقة.. فهناك انقطاع 2000 سنة. نحن هنا أمام مشروع له خصائص مختلفة جداً، أولى خصائصه.. أنه يكاد يكون مشروع صُنع ورُتب.. وجيء بمنشئيه من الخارج إلى موقع مختلف جداً.. لذلك ففى المزاج والتصرف وفى ردة الفعل.. نحن هنا أمام شيء مختلف. عندما جاء المشروع الإسرائيلى.. كان هناك مشروع لإنشاء دولة، لكن لم تكن هناك نظرية أمن. إننا هنا أمام وطن.. نشأ من الخارج، صنع ضربة قوية جداً بين شعوب لم تكن منتبهة.. واستقر على أرض فلسطين، لكنه بلد لم تنشأ معه نظرية للأمن القومى سارت معه عبر مراحل متعددة من تطوره؛ نحن هنا أمام أمر مختلف تماماً.. أمام كيان ينبغى أن ننظر إليه على أساس اعتبارات مختلفة تماماً. لقد نشأ مشروع الدولة الإسرائيلية.. من خارج الإقليم، من خارج السياق والمسرح بالكامل... لكنه نشأ بدون نظرية أمن، لأنه فى الأساس ليس لديه جغرافيا أو تاريخ، لكن كان لديه صدمة معينة فى العالم العربى واستقر به كتكوين أو كيان غريب عنها، لم يكن لدى هذا الكيان التراث أو الثقافة التاريخية لكى ينشيء معها نظرية للأمن. جاء ولديه خطوط عريضة: القوى الأجنبية مسيطرة على المنطقة.. فعليه أن يوفق علاقته بالقوى الأجنبية، لأن عن طريق هذه القوى الأجنبية يستطيع أن يتخذ لنفسه موضع قدم. إذا ما اتخذوا موضع قدم فعليهم أن.. يخيفوا كل من حولهم، على الآخرين أن يدركوا أنهم ضعفاء وأن قوة هذا الكيان هى الرادع الوحيد لهم... عليه أن يثبت لهم باستمرار أنه أفضل منهم فى العصر والعلم والعالم المعاصر، وفى الصلات الدولية.. إلى أخره. وبالتالى.. هذا كله يعطى تصورات عن الأمن لكنه لا يعطى نظرية أمن. من أجل نظرية للأمن.. لابد أن يكون متوفراً رسوخ فى الجغرافيا.. تجربة فى التاريخ، بحيث تتكون ثقافة أمن.. لا يؤسسها الانطباع أو المغامرة، لكن تؤسس لها تجارب عميقة فى التاريخ... وهذا ببساطة لم يكن متوفراً فى إسرائيل. بعدما نشأت الدولة.. كانت مطمئنة للمحيط، ردعته، فقد أخذت أراض بأكثر مما تصورت... وصنعت لنفسها أسطورة قوة وعنف، وصنعت لنفسها دوراً فى خدمة القوى الدولية الموجودة والمسيطرة فى المنطقة. لكن شواغلها فى الداخل كانت فى واقع الأمر: تأسيس إمكانية دولة. قبل ذلك كانت هناك ضرورة: تأسيس جيش.. وكانت مجموعات من المهاجرين أو جيوش المتطوعين.. لكنه جيش من عقائد مختلفة. هو جيش يحتوى 135 جنرال؛ لكنهم جميعاً قدموا من ثقافات مختلفة.. من نظريات أمن مختلفة، هنا كان الجيش يحتاج إلى تكوين وإنشاء.. وهى المهمة التى أخذها على عاتقه بن جوريون.. واعتبرها أهم ما ينبغى أن يواجهه، تكوين ركائز وإزالة التناقضات بين هذه الأفكار والمدارس المختلفة. حتى بالنسبة لبن جوريون ومناحم بيجن وشاريت.. كل منهم مدرسة مختلفة فى التفكير. هنا أصبح شاغل إسرائيل بعد قيام الدولة.. هو عملية التأسيس لهذه الدولة، وأظن أن المؤسسين اعتبروا أنه تكفى صدمة وجود إسرائيل وسط هذا العالم المتخلف بشكل أو آخر.. وأنه لم يعد لديها حاجة ملحة الآن..! الأوضاع فى الدول العربية.. هم يعرفونها. هى دول تنبهت إلى اليقظة.. إلى العصور الحديثة والمتغيرة.. متأخرة، وبالتالى جاءتها صدمة العصر.. لم تكن صدمة حداثة فحسب أو تنوير؛ لكنها صدمة فيها سلاح أيضاً، بها عنصر انتزاع.. تمزيق. الدول العربية كلها تقريباً كانت هياكل دول... لكن لم هناك دولة حديثة بالمعنى الحقيقى والعلمى. إسرائيل تحاول أن تنشيء دولة، لكنها ليس لديها بعد نظرية أمن.. فهى لا تملك عمق فى الجغرافيا والتاريخ. الدول العربية.. لديها العمق فى الجغرافيا والتاريخ، لكنها لم تكن متهيئة للعصر. وبالتالى: لم تشعر إسرائيل فى الفترة الأولى أن لديها ما يفرض عليها نظرية أمن. عندما قام 23 يوليو فى مصر... إسرائيل فوجئت بما جرى وبانهيار النظام القديم، وإن كانت قد رأت أنه نظام.. مخوخ نخر فيه السوس، لكنها لم تتطير خوفاً من النظام الجديد.. فهى لم تعتقد أن التغيير فى مصر قد يهددها. لقد قاست ما حدث على الانقلابات فى سوريا والعالم العربى، منذ بكر صدقى سنة 1936 فى العراق.. حتى أديب الشيشيكلى، وليس لديها ما تخاف منه إزاء العسكريين العرب.. لكن عليها أن تتنبه لذلك، وتكون على حذر.. وهذا ما فعلته. بدأت إسرائيل تلاحظ ما يجرى فى مصر.. أول ما لفت نظرها هو ما يتعلق بعملية التنمية، ما يتعلق بخروج جماهير لأول مرة متحمسة بحثاً عن درجة من درجات الإرادة؛ هناك حديث عن مجلس إنتاج وخدمات.. عن سد عالى وكهرباء، هناك موضوع توقيع جمال عبد الناصر على مشروع إنشاء هيئة للطاقة النووية.. كذلك مصر فيها صوت طالع مسموع فى العالم العربى.. هى خارجة بخطى إلى آسيا وإفريقيا. وهناك قوة دولية تتصور أن لديها مصالح فى المنطقة وهى تريد شراكة من نوع ما مع مصر، أو على الأقل تريد استخدام مصر أو موقعها أو قدراتها وقوتها الناعمة، وبالتالى فإن مصر تنشيء وتجمع بعض النفوذ مما يثير القلق. عندما جرت صفقة السلاح.. أعتقد أن الإسرائيليين كانوا أكثر من تنبه إلى خطورة المعنى.. وليس لحجم السلاح نفسه.. فهو لا يغير كثيراً فى الموازين، لكنهم أدركوا على الفور.. أن هذا الغلاف من التغييرات الجارية فى مصر.. تُنبئ بإمكانية تطور من نوع مختلف، نوعى وليس مجرد مصادفة، فهنا شيء ما ينشأ.. ويحاول أن يعطى نفسه قشرة صلبة، ويحاول أن يعطى نفسه قوة. وأكثر من ذلك يحاول الدخول فى صراعات العالم واللعبة الدولية الدائرة على الشرق الأوسط.. يدخل كطرف. هنا كان شيء ما يحدث. تصرف إسرائيل تجاه هذه المفاجأة وصفقة السلاح.. يعطى لنا مؤشرات واضحة الدلالة. أول ما قام به بن جوريون مباشرة وهو ما يذكره ديان وبن جوريون فى مذكراتهما أنه طلب على الفور الاستعداد لضربة وقائية، إما أن تكون ضربة وقائية عسكرية لمصر باحتلال سيناء أو قطاع غزة.. بعمل عسكرى مباشر وكبير جداً؛ يوقف هذه الصفقة.. أو يدمر الأسلحة القادمة إلينا.. وقد جاءت بعض العينات من الدبابات والمدافع. نتكلم هنا فى سبتمبر/ أكتوبر 1955. وجد بن جوريون مساعده ديان.. رئيس أركان حربه ومساعده الأكبر فى باريس، طلب استدعاءه على الفور. يتحدث ديان فى مذكراته عن استدعاء بن جوريون له.. وطلبه: استعدوا لخطة عاجلة فى ظرف أيام لتوجيه الضربة. هذا هو المنطوق الذى يعرفونه بالنسبة ل الأمن القومى: أضرب... أرهب... خوف بقدر ما تستطيع، وبأقصى قوة ممكن تجمعها، وفاجئ. لكن لم يكن لديهم بعد منطق الصراع فى ضوء الأمن القومى وهو قضية مختلفة عن مجرد العنف. بن جوريون طلب من ديان فوراً ضربة موجهة إلى مصر... وبالفعل بدأت هيئة أركان الحرب فى التخطيط والاستعداد لضربة وقائية. رئيس الوزراء الإسرائيلى.. شاريت، يكتب فى يومياته يوم الاثنين 3 أكتوبر بعنوان حرب وقائية: مع وضد.. عن جلسة الحكومة والتى تحدث فيها حول الولايات المتحدة.. فهى لا تأخذ صفقة الأسلحة بمعنى أن تتدخل وتعطى إنذارات.. وتوقف هذا العمل.. لأن هذا إخلال بالموازين بالمنطقة. هو مذهول من حجم الصفقة.. وقد بدا له حجم أكبر من حقيقته. يقول: الأمريكان يقولون لماذا أنتم ساكتون؟!.. لكننا من نريد أن نسأل الأمريكان لماذا أنتم ساكتون؟!!. شاريت هو رجل لديه خبرة بالعالم.. وليست وسيلته هى العنف وحسب، هو مسئول الدبلوماسية والعمل السياسى ومسئول الاتصالات العالمية، وهو يعرف أن قضايا الأمن القومى لا تُعالج بهذه الطريقة.. فهو يستغرب عدم مراعاة من يريدون توجيه الضربة لمصر للقوى والاستعداد المصرى فى زمن جديد؟.. ويسأل هل إسرائيل مستعدة لاحتمال غزو الآن بقوة جاهزة؟.. ما هو موقف الإنجليز فى قناة السويس؟.. موقف الفرنسيين؟.. موقف الأمريكان الذين لا يزالوا يتحدثون عن أحلاف يشارك فيها عبد الناصر؟.. يبدى دهشته من كل هذا إلى درجة تبدو فى بعض الأحيان ساخرة. يقول كذلك: أخشى أن وقوفى فى وجه القيام بردة فعل الآن ضد مصر معناه شد الخيط أكثر من اللازم، وسيثير ضدى الجيش ودعاة السياسة النشيطة عموماً، لكن أتصور أنه لن يكون هناك مفر من أن أعارض هذه المرة أيضاً. الغريب أن شاريت يتكلم عن مجموعة بن جوريون ويسميها العصابة. يقول شاريت فى المذكرات: الحرب بيننا وبين مصر لا يمكن منعها، ومن الأفضل أن تأتى فى أوضاع مريحة أكثر بالنسبة لنا. ويقول: لنفترض أننا دمرنا عبد الناصر هل نستطيع تعيين وارثيه؟ إننا لن نمحو مصر من على وجه البسيطة، وستبقى دائماً جارتنا، وبالتالى ألن تتخذ فى فؤادها تجاه إسرائيل كراهية مضاعفة وشهوة الانتقام، ما هى رؤيتنا فى دنيانا هذه؟.. حرب إلى نهاية الأجيال وحياة بالسيف، الجهود كلها يجب أن تُبذل لمنع حرب جديدة والاعتبارات كافة يجب التفكير فيها، قبل أن نقفز إلى مغامرة دموية يائسة. هنا تبدأ محاولات استكشاف إمكانية عمل، يبدأ انقسام فى إسرائيل، يبدأ الإحساس ب: نحن ليست لدينا نظرية أمن تستطيع أن تخدم دولة.. ربما كان لدينا جهد يستطيع أن يخدم إنشاء دولة، لكن أما وقد أنشئت هذه الدولة فنحن فى حاجة إلى شيء آخر.. دعوة بن جوريون إلى أن يأتى ديان لإجراء ضربة وقائية سريعة ضد مصر.. لم يعد يصلح، هو منطق كان لازماً فى مرحلة مواجهة الشعب الفلسطينى فى حالة عدم التنبه الأولى، ومواجهة الجيوش العربية فى حالة الغفلة الأولى... لكنا هنا أمام شيء جديد؛ أمام بلاد دخلت إلى العالم أولاً، ظهر تنبهها.. ثانياً، بدأت تعطى نفسها وسائل قوة مختلفة.. ثالثاً؛ وهى ليست السلاح فحسب.. ولكن بخطوات أخرى جرت قبل السلاح، من السد العالى.. إلى الطاقة النووية. أظن هنا.. يوماً بعد يوم الأمور بدأت تهدأ.. ما أستطيع أن أقوله هنا أن هذه كانت صدمة صفقة الأسلحة.. وفى اللحظة التى تنبهت فيها إسرائيل إلى أنها تحتاج إلى أن تذكر نفسها على ضوء الواقع العملى بخبرة نظرية أمن قومى.. فى تجربة داخل الجغرافيا والتاريخ.. داخل الواقع وليس من خارجه. وهنا أنا على استعداد لأن أقول أنه فى هذه الفترة منذ إعلان صفقة الأسلحة.. حتى بداية حرب السويس.. أن إسرائيل بدأت تبلور وتحدد وتناقش نظرية فى الأمن القومى. نظرية الأمن القومى الإسرائيلى. أو الأمن الوطنى بمعنى أدق.. أريد أن أناقشها هذه الحلقة. نخلط عادة بين فكرتين.. وهو ما يقلقنى أحياناً..! هناك ما يسمى ب السلامة الوطنية.. نظرية للسلامة الوطنية.. تضمن توازن الأوطان بحيث أن الأوطان قبل أن تدخل فى صراعات مع الخارج.. أو أن تواجه عالمها لابد أن تكون قد استقرت فيها أوضاع معينة تخلق فيها توازنات اجتماعية وفكرية وثقافية.. إلى أخره. ذلك ما يضمن السلامة الوطنية أو National safety.. وهو ما يختلف عن National security الأمن الوطنى. السلامة بالدرجة الأولى هى قضية إنسان مع نفسه.. كيان مع مكوناته. الأمن قضية إنسان مع آخرين، مع منافسين.. أو أعداء. سلامة الأوطان.. أو نظرية السلامة الوطنية لابد أن تكون واضحة وأن تختلف فى أذهاننا عن الأمن الوطنى والقومى. على سبيل المثال... السلامة الوطنية لإنجلترا، والمملكة المتحدة تتكون كما نعرف من عدة أقاليم؛ إنجلترا نفسها.. واسكتلندا.. أيرلندا الشمالية.. وويلز، أربعة أقاليم تمثل المملكة المتحدة. إذا جاءت اسكتلندا لتتحدث فى استقلال وهو كلام وارد ويقال فعلاً هو لا يهدد الأمن القومى، لكنه يهدد السلامة الوطنية. السلامة الوطنية.. هى اتساق فى حد ذاته، اتساق أمة بعناصرها، اتساق كيان داخل جغرافيا محددة وتاريخ محدد.. ومستقبل محدد يواجه به العالم الخارجى.. وهنا تجئ مسألة.. الأمن القومى. على سبيل المثال أيضاً؛ فى الولايات المتحدة.. كانت الحرب الأهلية الطويلة التى قاستها أمريكا.. واقتصت منها ضحايا بأكثر مما خسرته فى أى حرب أخرى، كانت مسألة تتعلق بالسلامة الوطنية، لكنها لم تكن متعلقة بالأمن. الأمن يشمل كل أجزاء الكيان... لكن السلامة الوطنية تشمل اتساق هذه الأجزاء مع بعضها. من الممكن أن يقال أن هناك صلة بين السلامة الوطنية والأمن القومى... لكن لابد أن نميز بينهما. على سبيل المثال فى مصر.. إذا لا قدر الله وقعت فتنة طائفية... هذا موضوع يتصل بالسلامة الوطنية.. لكنه لا يتصل بالأمن القومى، لأنها ليست مواجهة أمام عدو خارجى.. هنا علينا أن نتبين بالضبط.. وأن نضع خطاً فاصلاً بين حدود السلامة وحدود الأمن. إسرائيل فى الفترة الأولى من 1948 حتى صفقة السلاح 1955 كانت مشغولة بالسلامة الوطنية.. لم يكن الأمن الوطنى هو هاجسها، كان لديها فحسب بعض التصورات. أضغط هنا على هذه النقطة.. وقد قلت أننى لا أحكى التاريخ، وإنما أتكلم عن تجربة، فأنا لا أتحدث فى وقائع وفقاً للترتيب التاريخى.. سنة بسنة وشهر بشهر.. أنا هنا أريد أن أضع تجربة وثقافة جيل.. ورؤاه.. أمام أجيال أخرى، هى من ستحمل المستقبل وليس نحن..! إسرائيل كانت تشغلها حتى هذه اللحظة السلامة الوطنية.. وليس الأمن القومى. كانت منشغلة مثلاً بمشكلة أن تقل الهجرة إليها.. هذا يتعلق بالسلامة الوطنية فى الأساس. نظريات الأمن القومى لدى الأمم تحتاج إلى رؤى أوسع من قواها الذاتية.. تحتاج إلى تجييش عناصر أخرى، تحتاج إلى أن تعرف: أين هى فى عالمها؟.. هذا يتصل ب الأمن القومى. أما: أين هى فى موقعها؟.. فيتصل ب السلامة الوطنية. إسرائيل حتى هذه اللحظة فى اعتقادى كانت مشغولة بالسلامة الوطنية.. وليس بالأمن القومى، وأعتقد أنها بدأت هنا التفكير فى ضرورة أن تستكشف وتعيد النظر. أريد أن أضع أمام الناس بوضوح: ما هى خطوط الأمن القومى الإسرائيلى؟. الأمن القومى الإسرائيلى منذ 1948 إلى 1955... أن إسرائيل كانت من الناحية العسكرية عبارة عن قلعة محاصرة.. وأنها قادرة على الخروج فى أية لحظة بقوتها الذاتية إلى أى أحد يقترب منها، وإذا وجدت أية تجمعات أو حشود أو تحالفات.. تخرج إليها قبل أن تأتى لها، لكنها عقلية الحامية المحاصرة. أستطيع أن أقول أنه بعد صفقة السلاح.. أن إسرائيل أصبحت ترى فى ضرورة ضمان تفوق كامل نوعى وكمى لا يباريها فيه أحد. هنا بدأ بن جوريون يطور أفكاره الأولى عن مشروع نووى إسرائيلى إلى عمل حقيقى فبدأ يستدعى علماء الذرة.. وأظن أن فى هذه الفترة جرت أهم اجتماعات بن جوريون مع ديفيد تيلر صانع القنبلة الهيدروجينية.. والتى كانت فى هذا الوقت ذات اهتمام كبير، خصوصاً أن بعض العلماء الآخرين ممن صنعوا القنبلة النووية فى الولايات المتحدة وأوربا كانوا مترددين فى إمكانية مساعدة إسرائيل فى هذه الفترة.. ولديهم أزمة ضمير فى ذلك، لكن تيللر كان مستعداً... وبالتالى كانت هذه الفترة التى أدرك فيها بن جوريون أن أول ما يجب أن يكون فى نظرية أمن إسرائيل أن تكون مالكة للسلاح الأكبر والنهائى. ما أدركه بن جوريون ثانياً.. إلى جانب التفوق، أن يمنع بالقوة إذا اضطر.. أى تلاحم أو تقارب يجعل حول إسرائيل طوق عربى مصر سوريا الأردن العراق.. من خلف الأردن لا يمكن أن يسمح بمثل هذا. ثالثاً، عليه أن يتنبه إلى أهمية أن يكون متواجداً فى الطوق الذى يحيط بذلك الطوق العربى.. عليه أن يكون متواجداً فى تركيا باكستان إيران شبه القارة الهندية.. وعليه أن يصارع مصر خصوصاً وقد سبقته مصر فى هذا الموضوع من خلال باندونج. هنا يقر شاريت: هذه العصابة بن جوريون وتلامذته وصلوا إلى مأزق، وحتى أن أناساً فى هيئة أركان الحرب يتحدثون عنهم باعتبارهم العصابة.. وهنا على أن أثبت أن الدبلوماسية يمكن أن تجدى. يجب أن أشير هنا إلى شيء..الأمن القومى.. هو تعبير نستخدمه بطريقة مرنة أكثر من اللازم. الوطن.. أرض وشعب، محددين وواضحين.. جغرافياً وتاريخياً. القومية.. تعنى الجوامع المشتركة بين شعوب وهنا فارق بين أمة وشعب.. الشعب تربطه الأرض، الأمة تربطها الجوامع المشتركة.. أوسع من الحدود. عندما يتجه أحد من إنجلترا إلى فرنسا يجد اللغة قد تغيرت، أما إذا خرج شخص من سوريا إلى لبنان.. يجد اللغة لم تتغير. الروابط المشتركة تصنع القوم. الأرض والشعب تصنع الوطن. الزعيم فيديل كاسترو ذات مرة ربنا يشفيه قال لى: أنتم محظوظون بالقومية العربية.. أنا لدى كوبا فقط أقاوم بها الجبروت الأمريكى، إنما أنتم تجدون لأنفسكم امتداداً خارج حدودكم تجمعكم به روابط مشتركة.. وهو يساندكم ويتأثر بكم ويؤثر عليكم.. لكنه يشكل فى مجمله قوة أكبر من وطن.. لديكم أمة. لكن على أى حال هم صاروا الآن فى وضع أفضل!. هناك أمن وطنى يتعلق بوطن، شعب وأرض.. وأمن قومى يتعلق بما هو أكثر. يمكن أن أقول أنه بات هناك نوع من الأمن القومى فيما يسمى EU.. الاتحاد الأوروبى، لقد أصبح بمثابة الجنسية. عندما أذهب إلى أى عاصمة ومعى جواز سفرى.. أجد خانة موجهة موجودة EU Citizens لمواطنى الاتحاد الأوربى.. وخانة أخرى ل Others للآخرين..! هنا إيماءات وإشارات إلى أشياء أخرى لا نتنبه لها بالقدر الكافى فى التمييز ما بين الدلالات والمعانى، وعلينا أن نتنبه لها. نعود إلى شاريت.. هو مؤمن مثل بن جوريون تماماً بأن قوة مصر ينبغى ضربها.. لكن لديه وسائله المختلفة. هو يريد فى مواجهة صفقة السلاح فى مصر.. وفى مقابل الخطوة التى سبقت إليها مصر فى باندونج.. أن يتجه دبلوماسياً لمخاطبة الدول الكبرى. وهو يرى أن صفقة الأسلحة جعلت إسرائيل تواجه مشكلة خطيرة جداً، يرى أن صفقة السلاح أدت إلى ظهور شيء جديد فى مصر.. هناك حالة من الانتعاش والآمال التى قد يكون مبالغاً فيها، هناك جماهير تتحرك وبلد على وشك أن يتحول من أوضاع مائعة كان فيها إلى بلد ثورى.. هو يرى أيضاً.. أن ما جرى فى مصر لم يقتصر فقط على مصر.. لكنه بحكم وجود قوم.. قومية.. بحكم وجود أكبر من وطن.. أكثر من مجرد شعب.. بدأ ينتشر بآثار كبيرة.. تطال القوى الكبرى أيضاً، يجب عليهم أن يبحثوها. أيضاً؛ هناك قوة كبرى دخلت بمقتضى هذه الصفقة إلى المنطقة.. هى الاتحاد السوفيتى. كما أن الدول العربية.. ولو نظرياً على الورق أصبح لديها ما يمكن أن تؤثر فيه على الوضع الراهن.. الإستراتيجى والعسكرى والسياسى، هو وضع على وشك أن يختل.. لأن هناك قوى صارت قادرة ولو نظرياً على إمكانية فعل يغير هذا الأمر الراهن، وهذه مسألة لا تمس إسرائيل فقط.. لكنها تمس الإستراتيجيات العالمية. وبالتالى.. يخرج شاريت إلى مهمة قصده منها أن يعرف: إلى أين العالم يتجه؟.. وإلى أى مدى أنتم معنا؟!. لدى هنا وثائق شاريت عن هذه الرحلة التى خرج فيها لمقابلة ممثلى القوى الأربعة الكبرى... والأمور بالنسبة لضربة وقائية بدأت تهدأ، فقد بدأ الإدراك بأن الأمر يقتضى ما هو أكثر من ذلك. لكن فى تقديرات ديان وبن جوريون.. فى مذكرات ديان:.. أمامنا فترة لا تزيد عما بين ستة أشهر إلى سنة، لأن هذه الفترة التى يجب أن يأتى فيها أسلحة.. ومن الممكن أن تستوعبها مصر فيها.. وتصبح فاعلة فى يد الجيش المصرى.. كانوا يبالغون فى ذلك الوقت بالقول أن جمال عبد الناصر يحتاج لمثل هذه الفترة كى يهاجم إسرائيل.. أقول وكل الوثائق شاهدة على هذا أن الهجوم على إسرائيل لم يكن فى هذا الوقت وارداً إطلاقاً.. فقد كان هناك إدراك إلى أن الاستراتيجيات فى العالم.. خصوصاً فى هذه المنطقة ليست متعلقة بطرف معه سلاح.. ويضرب!!.. دون تصور إستراتيجى كامل، وقد رأينا هذا كله.. مثلاً فى العراق.. أتذكر أننى كتبت مجموعة مقالات.. أناشد فيها الرئيس صدام حسين أن يخرج خارج الكويت فوراً، فقد خطى إلى خط أحمر.. لا يستطيع أن يتجاوزه. خرج شاريت إلى أوربا، وقد تصادف وقتها مؤتمر لوزراء خارجية دول جنيف.. يجتمعون بين جنيف وباريس، فهم يريدون أن يواصلوا الأسس التى وضعها رؤساءهم قبلهم فى يوليو.. وقد اتفقوا على اجتماعات دولية تتكرر بين وزراء الخارجية لكى يواصلوا ما فعله الرؤساء.. ويمهدوا للوفاق. هنا خطط شاريت لمقابلة وزراء الخارجية الأربعة للدول الكبرى.. رتب لمقابلة أنطوان بينِى وزير خارجية فرنسا.. ماكميلان وزير خارجية إنجلترا.. مولوتوف وزير خارجية الاتحاد السوفيتى.. ودالاس وزير خارجية أمريكا. فالأمر كبير، يتعلق بنظريات أمن وسلامة وطنية.. ويؤدى إلى تغيير كبير فى موازين مستقرة. أتصور أنه كان لدى مصر توقعاً أن هذه الصفقة فيها إخلال بالموازين المستقرة منذ وقت طويل، لكن أحداً لم يكن بذهنه.. فى مصر أو حتى إسرائيل درجة ما تنطوى عليه هذه الخطوة ونتائجها.. وقد بدأت آثارها تفصح عن نفسها رويداً رويداً. لكن الحقائق بدأت تظهر أمام شاريت.. وتبدو فى تقاريره ويومياته، وهو يسجل ما أدركه فى لقاءاته بوزراء الخارجية. وزراء الخارجية جميعاً.. فى ذهنهم أولويات أخرى.. التقى بماكميلان.. الذى قال له أنه يدرك خطورة ما جرى فى مصر، لكنه رأى أن أى اقتراب لما يجرى فى مصر يمكن أن يسبب غضباً لقواعد موجودة فى العالم العربى.. وعلاقات خصوصاً فى الخليج، ويرى أنه لا قلق مما يحدث.. فهو لا يزال فى بداياته. التقى بأنطوان بينِى.. يجد لدى فرنسا غيظاً شديداً جداً.. يعتقد شاريت أنه من الممكن استغلاله، وهو غيظ بسبب مساعدات مصر فى الجزائر.. فى ذلك الوقت كانت الثورة الجزائرية بدأت تقوى.. والشعب الجزائرى بدأ يدخل فى ثورة المليون شهيد.. وبدأت الجزائر تصبح موضوعاً كبيراً جداً، والإمبراطورية الفرنسية.. التى ضُربت فى ديان بيان فو جنوب شرق آسيا.. تحارب أخر مواقعها فى الجزائر، ومصر متصدية.. تحارب مع الشعب الجزائرى فى هذه الثورة وجندت الأمة العربية كلها تقريباً. فرنسا تشعر بغيظ شديد جداً.. الجزائر تشغلها، لذلك هى تعطى إشارات مشجعة ل إسرائيل وتسمح ببعض صفقات الأسلحة، لكن ذلك غير كاف بالنسبة ل إسرائيل.. هى راغبة فى نوع من التعهد. يتجه إلى روسيا: أعطيتم لمصر سلاح فى صفقة تعتبرونها تجارية.. نحن أيضاً نريد منكم سلاحاً فى صفقة تجارية. لكن مولوتوف وكعادته بدا مع شاريت كجدار أصم لا يفصح على ما فيه، فى واجهة الجدار تواجه أى أحد.. لكنه صخرة لا تتقلقل!. يقول دالاس لشاريت: نحن نرى خطر عبد الناصر.. ونرى تهديده القادم، لكنا نريد ثلاثة أشياء؛ أولها كيف يمكن أن نواجهه دون أن نؤثر على أصدقاءنا فى منابع البترول؟.. والأولوية الثانية أننا لم نيأس منه بعد.. فهو الشخصية الوحيدة وبما بناه من شعبية فى العالم العربى.. يمكنه أن يدفع جزءاً من رصيد شعبيته فى صلح معكم.. وثالثاً نحن على وشك أن نجرى اختباراً أخيراً لنواياه.. فإذا نجح فيه غيرنا الصورة.. وإذا لم ينجح نكون على استعداد لمواجهته. يعود شاريت.. وهو مشغول بمسألة مهمة جداً بالنسبة لكل من يهتم بنظرية أمن قومى فى إسرائيل.. يقول لهم: مستقبل إسرائيل.. يحتاج إلى جانب كل ما تستطيع أن توفره لنفسها إلى شيء أهم.. تحتاج إلى دولة كبرى.. تقف جانبها دون تحفظات. وبالتالى.. تضيف إسرائيل فى هذه اللحظة إلى تصوراتها فى الأمن الوطنى: ضرورة وجود دولة كبرى تقف مع إسرائيل.. إلى ما هو أبعد من الصداقة، وما هو أبعد من مجرد التحالف، ما هو أبعد من الوقوف فى موقف واحد... وإنما تمضى معها من البداية إلى أخر الطريق. من البحث عن سلم... إلى البحث عن حرب. |
| |
|
|
|
|
|
|
| جميع الحقوق محفوظة 2006 |
|