الصفحة الرئيسية كلمة من الموقع أرسل مقالك اتصل بنا
Untitled Document
  جمال عبد الناصر

  شخصيات و أعلام

  مقالات

  وثائق

  لقاء وحوار

  أحداث وتقارير

  ملفات و قضايا

  ترجمات

  مكتبة المنتدى

  أحزاب و تنظيمات

  ثقافة وفنون

  اسرائيليات

 بحث  


محمد حسنين هيكل
بيان الرئيس جمال عبد الناصر الى الامة العربية في التاسع من حزيران 1967

بيان الرئيس جمال عبد الناصر الى الامة العربية
في التاسع من يونيو – حزيران 1967
بالاستقالة والتنحي عن منصب رئيس الجمهورية


ايها الاخوة ...
لقد تعودنا معا في اوقات النصر وفي اوقات المحنة في الساعات الحلوة وفي الساعات المرة ان نجلس معا وان نتحدث بقلوب مفتوحة وان نتصارح بالحقائق مؤمنين انه عن هذا الطريق وحده نستطيع دائما ان نجد اتجاهنا السليم مهما كانت الظروف عصيبة ومهما كان الضوء خافتا ...
ولا نستطيع ان نخفي على انفسنا اننا واجهنا نكسة خطيرة خلال الايام الاخيرة لكني واثق اننا جميعا نستطيع - وفي مدة قصيرة – ان نجتاز موقفنا الصعب ... وان كنا نحتاج في ذلك الى كثير من الصبر والحكمة والشجاعة الادبية ومقدرة العمل المتفانية
لكننا ايها الاخوة نحتاج قبل ذلك الى نظرة على ما وقع لكي نتتبع التطورات وخط سيرها في وصولها الى ما وصلت اليه .
اننا نعرف جميعا كيف بدات الازمة في الشرق الاوسط في النصف الاول من مايو الماضي .... كانت هناك خطة من العدو لغزو سوريا وكانت تصريحات ساسته وقادته العسكريين كلها تقول بذلك صراحة .. وكانت الادلة متوافرة على وجود التدبير
كانت مصادر اخواننا السوريين قاطعة في ذلك .. وكانت معلوماتنا الوثيقة تؤكده بل وقام اصدقاؤنا في الاتحاد السوفيتي باخطار الوفد البرلماني الذي كان يزور موسكو في مطلع الشهر الماضي بان هناك قصدا مبيتا ضد سوريا
ولقد وجدنا واجبا علينا ان لا نقبل بذلك ساكتين وفضلا عن ان ذلك واجب الاخوة العربية فهو ايضا واجب الامن الوطني فان البادئ بسوريا سوف يثني بمصر
ولقد تحركت قواتنا المسلحة الى حدودنا بكفاءة شهد بها العدو قبل الصديق .. وتداعت من اثر ذلك خطوات عديدة منها انسحاب قوات الطوارئ الدولية ثم عودة قواتنا الى موقع شرم الشيخ المتحكم في مضائق تيران والتي كان العدو الاسرائيلي يستعملها كاثر من اثار العدوان الثلاثي الذي وقع علينا سنة 1956 ولقد كان مرور علم العدو امام قواتنا امرا لايحتمل فضلا عن دواعي اخرى تتصل باعز اماني الامة العربية
ولقد كانت الحسابات الدقيقة لقوة العدو تظهر امامنا ان قواتنا المسلحة بما بلغته من مستوى في المعدات وفي التدريب قادرة على ردعه وكنا ندرك ان احتمال الصراع بالقوة المسلحة قائم وقبلنا بالمخاطرة
وكانت امامنا عوامل عديدة وطنية وعربية ودولية بينها رسالة من الرئيس الاميركي ليندون جونسون سلمت الى سفيرنا في واشنطن يوم 26 مايو تطلب الينا ضبط النفس وان لا نكون البادئين باطلاق النار والا فاننا سوف نواجه نتائج خطيرة ... وفي نفس الليلة فان السفير السوفيتي طلب مقابتي بصفة عاجلة في الساعة الثالثة والنصف من بعد منتصف الليل وابلغني بطلب ملح من الحكومة السوفيتية ان لا نكون البادئين باطلاق النار
وفي صباح يوم الاثنين الماضي الخامس من يونيو ... جاءت ضربة العدو واذا كنا نقول الان بانها جاءت باكثر مما توقعناه فلا بد ان نقول في نفس الوقت وبثقة اكيدة انها جاءت باكبر مما يملكه مما اوضح منذ اللحظة الاولى ان هناك قوى اخرى وراء العدو جاءت لتصفي حساباتها مع حركة القومية العربية
ولقد كانت هناك مفاجات تلفت النظر :
اولها – ان العدو الذي كنا نتوقعه من الشرق ومن الشمال جاء من الغرب الامر الذي يقطع بان هناك تسهيلات تفوق مقدرته وتتعدى المدى المحسوب لقوته قد اعطيت له
ثانيا - فان العدو غطى في وقت واحد جميع المطارات العسكرية والمدنية في الجمهورية العربية المتحدة ومعنى ذلك انه كان يعتمد على قوة اخرى غير قوته العادية لحماية اجوائه من أي رد فعل من جانبنا ... كما انه يترك بقية الجبهات العربية لمعاونات اخرى استطاع ان يحصل عليها
ثالثا - فان الدلائل واضحة على وجود تواطؤ استعماري معه يحاول ان يستفيد من عبرة التواطؤ المكشوف السابق سنة 1956 فيغطي نفسه بلؤم وخبث ... ومع ذلك فالثابت الان ان حاملات طائرات اميركية وبريطانية كانت قرب موانئ العدو تساعد مجهوده الحربي كما ان طائرات بريطانية اغارت في وضح النهار على بعض المواقع في الجبهة السورية وفي الجبهة المصرية الى جانب قيام عدد من الطائرات الاميركية بعمليات الاستطلاع فوق بعض مواقعنا
ولقد كانت النتيجة المحققة لذلك ان قواتنا البرية التي كانت تحارب اكثر المعارك عنفا وبسالة في الصحراء المكشوفة وجدت نفسها في الموقف الصعب لان الغطاء الجوي فوقها لم يكن كافيا ازاء تفوق حاسم في القوى الجوية المعادية بحيث انه يمكن القول بغير ان يكون في ذلك اثر للانفعال او المبالغة ان العدو كان يعمل بقوة جوية تزيدثلاث مرات عن قوته العادية
ولقد كان هذا هو ما واجهته ايضا قوات الجيش العربي الاردني التي قاتلت معركة باسلة بقيادة الملك حسين الذي اقول للحق وللامانة انه اتخذ موقفا ممتازا واعترف بان قلبي كان ينزف دما وانا اتابع معارك جيشه العربي الباسل في القدس وغيرها من مواقع الضفة الغربية في ليلة حشد فيها العدو وقواه المتامرة ما لايقل عن اربعمائة طائرة فوق الجبهة الاردنية
ولقد كانت هناك جهود رائعة وشريفة .... لقد اعطى الشعب الجزائري وقائده الكبير هواري بومدين بغير تحفظات وبغير حساب للمعركة ... واعطى شعب العراق وقائده المخلص عبد الرحمن عارف بغير تحفظات وبغير حساب للمعركة .... وقاتل الجيش السوري قتالا بطوليا معززا بقوى الشعب السوري العظيم وبقيادة حكومته الوطنية
واتخذت شعوب وحكومات السودان والكويت واليمن ولبنان وتونس والمغرب مواقف مشرفة ..
ووقفت شعوب الامة العربية جميعا بغير استثناء على طول امتداد الوطن العربي موقف الرجولة والعزة موقف التصميم موقف الاصرار على ان الحق العربي لن يضيع ولن يهون وان الحرب دفاعا عنه ممتدة مهما كانت التضحيات والنكسات على طريق النصر الحتمي الاكيد
وكانت هناك امم عظيمة خارج العالم العربي قدمت لنا ما لا يمكن تقديره من تاْييدها المعنوي
لكن المؤامرة ولا بد ان نقول بشجاعة الرجال اكبر واعتى
ولقد كان تركيز العدو الاساسي على الجبهة المصرية التي دفع عليها بكل قوته الرئيسية من المدرعات والمشاة معززة بتفوق جوي رسمت لكم من قبل صورة لابعاده
ولم تكن طبيعة الصحراء تسمح بدفاع كامل خصوصا مع التفوق المعادي في الجو
ولقد ادركت ان تطور المعركة المسلحة قد لا يكون مواتيا لنا وحاولت مع غيري ان نستخدم كل مصادر القوة العربية ولقد دخل البترول العربي ليؤدي دوره ودخلت قناة السويس لتؤدي دورها وما زال هناك دور كبير مطلوب من العمل العربي ان يؤديه وكلي ثقة في انه سوف يستطيع اداءه
ولقد اضطرت قواتنا المسلحة في سيناء الى اخلاء خط الدفاع الاول وحاربت معارك رهيبة بالدبابات والطائرات على خط الدفاع الثاني
ثم استجبنا لقرار وقف اطلاق النار امام تاْكيدات وردت في مشروع القرار السوفيتي الاخير المقدم الى مجلس الامن وامام تصريحات فرنسية بان احدا لا يستطيع تحقيق أي توسع اقليمي على اساس العدوان الاخير وامام راْي عام دولي خصوصا في اسيا وافريقيا يرى موقفنا ويشعر ببشاعة قوى السيطرة العالمية التي انقضت علينا
وامامنا الان عدة مهام عاجلة :
المهمة الاولى : ان نزيل اثار هذا العدوان وان نقف مع الامة العربية موقف الصلابة والصمود وبرغم النكسة فان الامة العربية بكل طاقاتها وامكانياتها قادرة على ان تصر على ازالة اثار العدوان
والمهمة الثانية : ان ندرك درس النكسة وهناك في هذا الصدد ثلاث حقائق حيوية
1 - ان القضاء على الاستعمار في العالم العربي يترك اسرائيل بقواها الذاتية ومهما كانت الظروف فان القوى الذاتية العربية اكبر واقدر على الفعل
2 - ان اعادة توجيه المصالح العربية في خدمة الحق العربي ضمان اولي فان الاسطول الاميركي السادس كان يتحرك ببترول عربي وهناك قواعد عربية وضعت قسرا وبرغم ارادة الشعوب في خدمة العدوان .
3 - ان الامر الان يقتضي كلمة موحدة تسمع من الامة العربية كلها وذلك ضمان لا بديل له في هذه الظروف
نصل الان الى نقطة هامة في هذه المكاشفة بسؤال انفسنا هل معنى ذلك اننا لا نتحمل مسئولية في تبعات هذه النكسة ؟
واقول لكم بصدق – وبرغم اية عوامل قد اكون بنيت عليها موقفي في هذه الازمة - فانني على استعداد لتحمل المسئولية كلها
ولقد اتخذت قرارا اريدكم جميعا ان تساعدوني عليه
لقد قررت ان اتنحى تماما ونهائيا عن أي منصب رسمي واي دور سياسي وان اعود الى صفوف الجماهير اؤدي واجبي معها كاْي مواطن اخر
ان قوى الاستعمار تتصور ان جمال عبد الناصر هو عدوها واريد ان يكون واضحا امامهم انها الامة العربية وليس جمال عبد الناصر
والقوى المعادية لحركة القومية العربية تحاول تصويرها دائما بانها امبراطورية لعبد الناصر وليس ذلك صحيحا لان امل الوحدة العربية بداْ قبل جمال عبد الناصر وسوف يبقى بعد جمال عبد الناصر
ولقد كنت اقول لكم دائما ان الامة هي الباقية وان أي فرد مهما كان دوره ومهما بلغ اسهامه في قضايا وطنه هو اداة لارادة شعبية وليس هو صانع هذه الارادة الشعبية
وتطبيقا لنص المادة 110 من الدستور المؤقت الصادر في شهر مارس سنة 1964 فلقد كلفت زميلي وصديقي واخي زكريا محيي الدين بان يتولى منصب رئيس الجمهورية وان يعمل بالنصوص الدستورية المقررة .
وبعد هذا القرار فانني اضع كل ما عندي تحت طلبه وفي خدمة الظروف الخطيرة التي يجتازها شعبنا
انني بذلك لا اصفي الثورة ولكن الثورة ليست حكرا على جيل واحد من الثوار واني لاعتز باسهام هذا الجيل من الثوار ... لقد حقق جلاء الاستعمار وحدد شخصية مصر العربية وحارب سياسة مناطق النفوذ في العالم العربي وقاد الثورة الاجتماعية واحدث تحولا عميقا في الواقع المصري اكد تحقيق سيطرة الشعب على موارد ثروته وعلى ناتج العمل الوطني واسترد قناة السويس ووضع اسس الانطلاق الصناعي في مصر وبنى السد العالي ليفرش الخضرة الخصبة على الصحراء المجدبة ومد شبكات الكهرباء المحركة فوق وادي النيل الشمالي كله وفجر موارد البترول بعد انتظار طويل واهم من ذلك وضع على قيادة العمل السياسي تحالف قوى الشعب العاملة الذي هو المصدر الدائم لقيادات متجددة تحمل اعلام النضال الوطني والقومي مرحلة بعد مرحلة وتبني الاشتراكية وتحقق وتنتصر
ان ثقتي غير محدودة بهذا التحالف القائد للعمل الوطني للفلاحين والعمال والجنود والمثقفين والراْسمالية الوطنية ان وحدته وتماسكه والتفاعل الخلاق داخل اطار هذه الوحدة قادر على ان يصنع – بالعمل وبالعمل الجاد وبالعمل الشاق كما قلت اكثر من مرة - معجزات ضخمة في هذا البلد ليكون قوة لنفسه ولامته العربية ولحركة الثورة الوطنية وللسلام العالمي القائم على العدل
ان التضحيات التي بذلها شعبنا وروحه المتقدة خلال فترة الازمة والبطولات المجيدة التي كتبها الضباط والجنود من قواتنا المسلحة بدمائهم سوف تبقى شعلة ضوء لا تنطفئ في تاريخنا والهاما عظيما للمستقبل واماله الكبار
لقد كان الشعب رائعا كعادته اصيلا كطبيعته مؤمنا صادقا مخلصا وكان افراد قواتنا المسلحة نموذجا مشرفا للانسان العربي في كل زمان ومكان لقد دافعوا عن حبات الرمال في الصحراء الى اخر قطرة من دمهم وكانوا في الجو - وبرغم التفوق المعادي – اساطير للبذل وللفداء وللاقدام والاندفاع الشريف الى اداء الواجب انبل ما يكون اداؤه
ان هذه ساعة للعمل وليست ساعة للحزن انه موقف للمثل العليا وليس لاية انانيات او مشاعر فردية
ان قلبي كله معكم
واريد ان تكون قلوبكم كلها معي
وليكن الله معنا جميعا املا في قلوبنا وضياء وهدى