|
في ذكرى يوم مولده في الخامس عشر من يناير كانون الثاني 1918 أي بعد اثنين وتسعين عاما على ذلك اليوم وبعد ثمانية وخمسون عاما على يوم ثورته الكبرى في 23 يوليو 1952 وبعد ما يقرب من أربعين عاما على يوم رحيله في الثامن والعشرين من سبتمبر أيلول 1970 في ............ في هذا اليوم أجدني أعود لأكتب عنه عن الرجل الذي غير الخريطة السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مصر والوطن العربي والعالم الثالث في ثمانية عشر عاما هي اقل حتما من سنوات الضياع لحكام عرب حكموا لسنوات مضاعفة لحكمه ولم يغيروا شيئا لا لشعوبهم ولا لأوطانهم ........ عن الرجل الذي تصدى لمشاريع الاستعمار القديم والجديد في المنطقة وفي إفريقيا واسيا وقاوم العدوان وجعل من معركة السويس نقطة تحول فاصلة في تاريخ حركة التحرر الوطنية العربية والعالمية حيث أصبح العالم بعد السويس غير عالم ما قبل السويس ...... عن الرجل الذي تصدى للحركة الصهيونية ولكل مشاريعها التوسعية والعدوانية
وقاوم بالدم والنار غزوها للأرض العربية واعاد من جديد وسط النيران وهدير المدافع وازيز الطائرات بناء جيش المليون جندي استعدادا لمعركة التحرير الكبرى التي كان يعد ويستعد لها ....... عن الرجل أكد انتماء مصر العربي لامتها العربية قولا وعملا وذلك بالدفاع عن حق شعوبها في التحرر والاستقلال وكانت وقفته العظيمة إلى جانب شعب المليون شهيد في الجزائر والى جانب الثوار والحركات الوطنية في الأردن والعراق وسوريا والمغرب واليمن وجنوب اليمن وليبيا وغيرها .... عن الرجل الذي ربط أمته العربية بالعالم وبالعصر والذي أعطى لامته فكرة عن إمكانياتها وطاقاتها من خلال تصديه لمشاريع البناء والتطوير الكبرى في مصر مثل السد العالي وغيره
اكتب عن جمال عبد الناصر فهو ما زال
والى هذه اللحظة هو الغائب الحاضر هو البعيد منذ أربعين ولكن ظله ما زال موجودا على اتساع الأرض العربية
وهذا هو سره، كما هو سر غيره من العظماء الذين أصبحوا تعبيراً تاريخياً عن شعوب وأمم، وعن فترات بعينها وعن مراحل ممتدة على مسيرة طويلة من العمل الوطني والقومي والإنساني.... مثل هؤلاء تستدعيهم شعوبهم أحيانا عندما تستشعر الاخطار وهي تدنو وتقترب..... وفي أحيان أخرى تستدعيهم عند مفارق الطرق الفاصلة وأمام التحديات الكبرى..... مثل هؤلاء يصبح اسم أي واحد منهم مثارا للفخر والاعتزاز ويكون استرجاع ذكر اسم أي واحد منهم بمثابة دعوة له للحضور ليكون معلما وهاديا ومرشدا وناصحا بل وقائدا إذا أمكن خصوصا في الليالي حالكة السواد التي تمر بها الأمم والشعوب حيث تفتقد عظمائها ورموزها .... ويصبح ذكر اسم أي واحد منهم رمزا يشير إلى الآمال الكبرى والمنجزات الهائلة والأحلام والأمنيات التي تحرك الهمم وتفجر الطاقات
وجمال عبد الناصر هو واحد من هؤلاء العظام فهو ما زال إلى هذه اللحظة رغم الغياب البعيد
رأيا في كل حادث وموقفا في كل قضية والتزاما حيال أي مبدأ فهو ما زال الغائب الحاضر......
ما زالت الأمة كلها تنادي عليه تسترجع صدى كلماته تستدعي تجربته الكبيرة والحافلة وطنيا وقوميا وإنسانيا بكل ما فيها من تحديات ومواقف ومواجهات
وهذا الحديث عن عبد الناصر اليوم ربما يختلف في المضمون والاتجاه عن احاديث سبقت عنه وذلك احساسا ربما باهمية ما اطرحه اليوم وما اريد ان اقوله في هذه المناسبة ....... صحيح ان جمال عبد الناصر قد مات وهذا قدره لكن الصحيح ايضا ان كل شيئ قد تغير بعد رحيله وهذا يطرح سؤالا في غاية الاهميه هل كان رحيله المفاجئ طبيعيا ام كان كان بفعل فاعل و بصرف النظر عن عما اذا كان طبيعيا او بفعل فاعل فان النتائج على الارض لن تختلف كثيرا ولكن ما سيختلف هو انه في حالة الموت الطبيعي لا جناة ولا قتلة ولكن في الموت بفعل فاعل هناك قتلة وهناك جناة وربما يكون من حقه علينا وهو بعيد عنا ان نصل الى الحقيقة
من هنا فإنني اخشي أن أقول انه ربما - ربما - ربما, اجل ربما يكون يوم الثامن والعشرين من سبتمبر أيلول 1970 وهو اليوم الذي انتقل فيه جمال عبد الناصر إلى رحاب الله . هو اليوم الفاصل الذي حدث فيه الانقلاب الكبير الذي انتقلت بعده الأمة العربية من حال إلى حال .... من حال وروح المقاومة والتصدي إلى حال وروح الاستسلام والهزيمة.... وأخشى أن أقول انه في ذلك اليوم نجحت القوى المعادية للأمة العربية والقوى المضادة لثورة 23 يوليو ولحركة التحرر الوطني العربية بل والعالمية في الاستيلاء على
بعض مراكز السلطة في مصر قبل أن تنقض بعد أشهر قليلة على السلطة بكاملها في مصر لتستولي بعدها على مقادير الأمة العربية في أكثر من بلد عربي ..... اخشي أن أقول ذلك كله وما زلت إلى هذه اللحظة أقول انه ربما ربما ربما وستبقى كلمة ربما مطروحة إلى أن تثبت الوثائق و تؤكد بل وتجزم بان القائد المناضل جمال عبد الناصر قد مات اغتيالا بالسم وغيره من أدوات القتل والاغتيال وهو الأمر الذي ما زال حتى الآن غير مؤكد ....
وما يدفعني إلى هذا الكلام هو ما أورده الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل في الحلقة الثانية من أحاديث تجربة حياة الذي يذاع في قناة الجزيرة مساء كل يوم خميس بعنوان الطريق إلى أكتوبر حيث تحدث عن شريط سجلته المخابرات العامة المصرية من داخل سفارة الولايات المتحدة في القاهرة ضمن العملية الكبرى التي أطلق عليها عصفور والتي استهدفت اختراق المخابرات العامة المصرية لمبنى السفارة الأميركية في القاهرة
هذه العملية التي تمت أواخر سنة 1967 أوائل 1968 والتي تمت بإذن منه
لأنه لم يكن ممكنا لأحد في تلك الظروف أن يدخل السفارة الأميركية وأن يضع فيها أربعة ميكروفونات حديثة تنقل كل ما يجري فيها وكل ما يدور إلا بقرار منه ...... ويضيف الأستاذ هيكل إن الأربعة ميكروفونات توزعت
إحداها في مدخل السفارة والثانية في صالون السفارة والثالثة في غرفة الطعام والرابعة في البهو الأعلى من الدور الثاني من مبنى السفارة وهو الدور الذي كان السفير عادة وضيوفه يجلسون لتناول الإفطار، وكانت هذه الميكروفونات تتصل بمركز عمليات المخابرات العامة ويتم تسجيل ما ينقل خلالها وكانت التسجيلات
تنقل بعدها مباشرة
إلى عبد الناصر إما مفرغة على ورق أو تنقل إليه ليستمع منها مباشرة ...... أي أنها كانت تصل إليه إما مكتوبة أو مسموعة وظلت المعلومات تنقل إليه
منذ أواخر عام 1967 وحتى رحيله في عام 1970 ويضيف هيكل أن العملية
عصفور أي اختراق مبنى السفارة الأميركية في القاهرة ونقل المعلومات منها ظل
مستمرا حتى منتصف عام 1971 حين أفشاها الرئيس السادت - الذي لم يكن على علم بها إلا بعد أشهر من توليه السلطة - إلى السيد كمال ادهم مدير المخابرات السعودية الذي نقل هذه المعلومة إلى المخابرات المركزية الأميركية لتتوقف بعد أسابيع قليلة من البث حيث صمت عصفور إلى الأبد ........ وكانت التسجيلات تتضمن معظم الأحاديث التي تدور داخل السفارة التي كانت تستقبل زوارا بلا حدود من شخصيات سياسية وعسكرية وأمنية ووفود رسمية أميركية وغير أميركية ودبلوماسيين قادمين من إسرائيل وحتى شخصيات رسمية مصرية
وعلى حد تعبير الأستاذ هيكل فان هذه التسجيلات كانت تضم كنزا هاما من المعلومات المتدفقة تصل إلى جمال عبد الناصر وتضعه في صورة ما يجري داخل جدران السفارة الأميركية في القاهرة
ويكشف هيكل عن وثيقة خطيرة جاءت ضمن التسجيلات الواردة من السفارة الأميركية حيث يقول إن مدير المخابرات العامة وقتها السيد أمين هويدي كان يتصل بمكتب الرئيس ويطلب موعدا وكان مفهوما إن الموعد يتعلق بالعملية عصفور فيدخل السيد هويدي ويجلس أمام الرئيس ويروي له بعض ما سمع وما جرى تفريغه والرئيس يكتب ما يشاء ثم يتم توزيع ما هو ضروري إلى عدد محدود من الأشخاص المعنيين قائد القوات المسلحة وزير الداخلية فيما يخصه وزير الخارجية فيما يخصه دون أن يعرف معظمهم اسم المصدر لكنها معلومات قادمة من الرئيس مباشرة وعليهم أن يهتموا بها،
لكن في يوم من الأيام - يقول هيكل -
كان طلب مدير المخابرات العامة أن يسمع الرئيس بنفسه شريطا معينا..... شريط تسجيل معين وكان ذلك تحديدا في يوم 30 نوفمبر 1969
.
واستمع عبد الناصر إلى الشريط
وراح يكتب
بخط يده على ورق ما سمعه من التسجيل حيث كتب
هذا هو السفير الأميركي في إسرائيل أو الوزير المفوض الأميركي في تل أبيب يتحدث عن جمال عبد الناصر مباشرة وجمال عبد الناصر يستمع إليه مسجلا في شريط وهو يكتب ما يسمع بخط يده في حضور مدير المخابرات ومسئول من الأمن القومي، كان يستمع إلى تسجيل لاجتماع ضم الوزير الأميركي المفوض في تل أبيب وسفير الولايات المتحدة في القاهرة وقتها دونا لد برجس ومديرة مكتب السفير الإسرائيلي في إسرائيل التي راحت تقول إن السيدة غولدا مائير ودايان وألون وياريف اتفقوا على أن بقاء إسرائيل رهن بالقضاء على عبد الناصر، وأضافت أنهم
they will get him
، سوف يصلون إليه بالسم أو بالمرض. جمال عبد الناصر كاتبها بخط يده وهو يعلم أنها عليه وأن أل
get him
بخط يده، سم، مرض، وقد سمع جمال عبد الناصر بنفسه هذا التسجيل يوم 30 نوفمبر 1969 وكتب عبد الناصر ما سمعه على الورق بخط يده
ويتحدث هيكل عن اليوم الذي اطلع فيه على هذه الورقة الخطيرة حيث قال " إنني ما زلت أتذكر اليوم الذي روى لي
جمال عبد الناصر قصة الورقة التي كتبها بخط يده
قبل أسبوع أو عشرة أيام من اليوم الذي كنت اجلس فيه أمامه في مكتبه في منزله
حيث قال لي يومها
" سأقول لك شيئا غريبا سوف اقرأ لك هذه الورقة وهي تتضمن النقاط التي كتبتها نقلا عن تسجيل
سمعته من داخل السفارة الأميركية "
وراح يقراْ ما كتبه مما سمعه بنفسه لأن مدير المخابرات رأى أنه لا يستطيع أن ينقل إليه ما فيه، لم يكن
يتصور أن ينقل للرئيس قول السفير الأميركي أو قول مساعدة السفير الأميركي في تل أبيب وفي حضور السفير الأميركي في تل أبيب وفي حضور السفير الأميركي في القاهرة دونالد بيرغس أنهم سوف يخلصون منه إما بالمرض وإما بالسم، كان مدير المخابرات يرى انه لا بد للرئيس من ان يسمع
بنفسه
ويضيف هيكل لا زلت اذكر أن هذه الورقة الوثيقة الخطيرة والتي حدث بشأنها أشياء كثيرة
..... وقد حصلت عليها . ولا أريد أن أقول كيف استطعت الحصول عليها بعد ذلك...... في حينها لم أقم بتصويرها ولم اكتبها ... ويستطرد الأستاذ هيكل قائلا " لقد كتب عبد الناصر على حرف هذه الورقة بخطه بالإنجليزي كلمة عاجل
express
. ولم اعرف ما هي الاجراءات التي اتخذت ..... لكن بعد عشرة أشهر ذهب جمال عبد الناصر إلى رحاب الله ........بقيت هذهه الورقة
في ذهني باستمرار خصوصا وانأ موجود
في غرفة جمال عبد الناصر في اللحظات الأخيرة من حياته وفي الجنازة ... بقيت هذه الورقة في ذهني وأسأل نفسي هل هناك معنى في هذا؟ يرجع لسمعي أحيانا كثيرة صوته وهو يقرأ من هذه الورقة كان الرجل يقراْ ما سمعه على لسان مديرة مكتب السفير الإسرائيلي في إسرائيل التي راحت تقول أن السيدة غولدا مائير ودايان وألون وياريف اتفقوا على أن بقاء إسرائيل رهن بالقضاء على عبد الناصر، وأضافت أنهم
they will get him
، سوف يصلون إليه بالسم أو بالمرض كان جمال عبد الناصر يسمع ما هو مرتب له لإنهاء حياته ولإنهاء دوره لأن إسرائيل تعلم أنه
هو العقبة الأساسية أمامهم !
وأعود من حيث بدأت من حيث تساءلت في مقدمة هذا الحديث هل حقيقة وقع الانقلاب الكبير يوم 28 سبتمبر 1970 بالوفاة المفاجئة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر والذي أدى بالتدريج وبالتتابع إلى انهيار النظام الوطني التقدمي الوحدوي وسقوطه في مصر والى انهيار أحلام الحرية والاشتراكية والوحدة
وبالتالي إلى حدوث تراجع استراتيجي كبير في الوضع العربي العام وفي وضع حركة |